وهبة الزحيلي

217

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والمقصود بالآية حمل اليهود على الإيمان برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحريض المشركين وغيرهم على التصديق بتلك الرسالة ، فإن التشابه بين الرسالتين قائم والمهمة واحدة ، وكذلك تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن حزنه الشديد بسبب إعراض قومه عن رسالته ، فإن موسى عليه السلام لقي من قومه الأهوال وأنواع الأذى ، فقالوا : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء 4 / 153 ] ، وقالوا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة 5 / 24 ] ، واتخذوا العجل إلها ونحو ذلك . وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا ، وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ أي وجعلنا من بني إسرائيل قادة يدعون الناس إلى الخير والإيمان ، بإذننا وتوفيقنا وإعانتنا لهم ؛ لأنهم صبروا على طاعة دينهم وتصديق رسلهم واتباعهم ، وعلى البلاء الذي تعرضوا له في الدنيا ، كإيذاء فرعون لهم واستعباده إياهم ، وكانوا بآياتنا الدالة على الوحدانية والقدرة مصدقين على وجه اليقين . وهذا إيماء آخر إلى أن القرآن هاد للناس كالتوراة ، وأن أتباعه هداة مخلصون ، وهو أمر بالصبر والإيمان بأن وعد اللّه حق . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي إن ربك يقضي يوم القيامة بين عباده فيما اختلفوا فيه من أمور الاعتقاد والدين والحساب والثواب والعقاب ، والأعمال ، فيثيب المطيع بالجنة ، ويعاقب العاصي بالنار . وهذا باعث آخر على الإيمان الصحيح والعمل الصالح ، وتهديد ضمني لمن يعرض عن هداية اللّه التي صارت متمثلة بالقرآن بعد فقد التوراة وافتقاد الأصل الصحيح للإنجيل . فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على ما يأتي :